01 Jan 2010 - ما هي غزة؟

 

بمناسبة مرور العام الأول ..
ما هي غزة؟
أعتقد بأن غزة هي طريقتنا الجديدة في البكاء
الأشلاء الوردية التي ترفرف، والشظايا التي تعربد في جراحنا، الملح والرمل، التين والزيتون .. بالتأكيد! غزة هي الطريقة الوحيدة الملائمة للبكاء! وحتى هذا البكاء الفجائعي، الأحمر/ الأسود .. الدخاني / الفسفوري، لا يبدو كافيا لاستخراجك من بلادتك، أيها العالم!
أمومة متأخرة
أطفالي في غزة
أطفالي الذين لم أنجبهم، لم أرضعهم
ولم أكن أمهم قبل اللحظة
أطفالي الذين لا أعرف أسماءهم
ولا ألعابهم المفضلة
ولا ألوان بلوزاتهم ..
أطفالي الذين لم أعرف إلا وجوههم
في سيلانها الأخير خارج أكفانهم
أطفالي الذين قابلتهم لأول مرة
جثثا مجففة
في ورق جرائدٍ رخيص
هؤلاء الأطفال ..
أطفالي ..
...
...
كيف سيبدو عالمي الآن
من غيرهم ؟
بكاءٌ في شاشات البلازما
رأيتها ..
تبكي داخل الشاشة
هي وسنيها ..
وتجاعيد عينيها ..
العجوز التي تشبه كل عجوزٍ أخرى في هذا العالم
باستثناء أن العالم يظن خلاف ذلك!
العجوز التي تبكي في كل الشاشات، في كل البيوت، في كل غرفة معيشة، في كل مقهى، في كل مجمع تجاري، في كل جريدة، في كل موقع إلكتروني ..
العجوز التي تعبت من قدرة دموعها على التفشي في جسدِ العالم
العجوز التي سئمت من تحوّل بكائها إلى إعلان لنقاوة الصورة على " شاشات البلازما " ..
العجوز التي شبعت من تحول فجيعتها إلى تغطية إخبارية للبطولة عديمة الطعم ..
العجوز التي تربط رأسها بحجابٍ أبيض محروق الذيل
و تفوحُ من وجهها رائحة البحر
العجوز التي تريد – من كل قلبها – أن تلتقط ذلك العود الخشبي المرمي على قارعة الطريق
وتضربُ به قفا العالم ..
حتى يتأدب
العجوز التي تسرطن حزنها في كلّ مكان و ..
بكت داخل الشاشة ..
في كل غرفة معيشة
فرفعنا صوت التلفزيون ..
لكي يصبح حزنها أوضح لنا ..
...
...
كلما رأيتها تنسابُ بوجهها
خارج شاشة الفجيعة
اقتربتُ خطوتينِ، لأحتضن التلفزيون ..
وأفجع ..
كم هي شاشة التلفزيون باردة!

1400+
كيف يمكن أن يتحول الموتى إلى رقم؟
( حتى اليوم الثاني والعشرين من الدم ..
مات أكثر من 1400 مدني )
كيف يمكن أن يتحول الموتى إلى رقم؟
من أين تأتينا القدرة لكي نستمع إلى نشرة الأخبار
كل صباح
في طريقنا إلى " الدوام " ..
في طريقنا إلى الوزارة، إلى الشركة، إلى المكتب، إلى المشغل، إلى الصالون، إلى ..
ونحن نتساءلُ كم بلغ عددهم ..
ونتساءل كم سيبلغ بعد ..
حتى تكفّ بالوعة الدم هذه ..
من شفط أرواحهم ؟
من أين تأتينا القدرة الخرافية تلك
على أن نختصر الحب والحلمَ والطفولة والأمومة والشباب والكهولة والأرض والماء و ..
على أن نختزل حيواتٍ كاملة ..
في رقمٍ؟

قبرٌ جماعي
" لكي يكون لموتهم معنى! "
هكذا قلتُ لنفسي
وأنا أقص صورهم من صفحات الجرائد
وأدفنها
في أصيص للزهور
في قبرهم الصغير على شفةِ النافذة
المطلة على لسانٍ من القارِ والصقيع والصمت
احتشدَ المعنى :
كيف يمكن أن يكون للموتِ
معنى؟

الاديبة بثينة العيسى

< الرجوع الى المقالات